سيد محمد طنطاوي
164
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأما أصحاب اليمين من هذه الأمة ، فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جمع الأمم ، لأن الثلة تتناول العدد الكثير وقد يكون أحد العددين . . الكثيرين ، أكثر من الآخر ، مع أنهما كلاهما كثير . ولهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير . لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء السابقين بالخيرات من عطاء كريم ، فقال : * ( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ) * . والسرر : جمع سرير ، وهو ما يستعمله الإنسان لنومه أو الاتكاء عليه في جلسته . والموضونة : أي المنسوجة بالذهب نسجا محكما ، لراحة الجالس عليها ولتكريمه . يقال : وضن فلان الغزل يضنه ، إذا نسجه نسجا متقنا جميلا . أي : مستقرين على سرر قد نسجت أطرافها بالذهب وبما يشبهه ، نسجا بديعا يشرح الصدر . فقوله : * ( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ) * حال من المقربين . . ومثله قوله : * ( مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ) * أي : مضطجعين عليها اضطجاع الذي امتلأ قلبه بالراحة ، وفراغ البال من كل ما يشغله ، وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر ، ليتم سرورهم ونعيمهم ، إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة . * ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) * أي : يدور عليهم من أجل خدمتهم غلمان ، شبابهم باق لا يتغير ، وهيئتهم الجميلة على حالها لا تتبدل ، فهم دائما على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن . * ( بِأَكْوابٍ وأَبارِيقَ وكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) * أي : يطوفون عليهم ، بأكواب أي : بأقداح لا عرى لها ، وأباريق ، أي : وبأوان ذات عرا * ( وكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) * أي : وبإناء مملوء بالخمر الكثير الجاري فقوله * ( مَعِينٍ ) * من المعن بمعنى الكثرة . * ( لا يُصَدَّعُونَ عَنْها . . ) * أي لا يصيبهم صداع أو تعب بسبب شرب هذه الخمر . فعن هنا بمعنى باء السببية . قوله : * ( ولا يُنْزِفُونَ ) * أي : ولا تذهب الخمر عقولهم ، كما تفعل خمر الدنيا بشاربيها ، مأخوذ من النزف ، بمعنى اختلاط العقل .
--> ( 1 ) راجع أضواء البيان ج 7 ص 719 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .